بقلم: د. محمد سالمان
تتلمذ ابن خالويه على يد ابن مجاهد، الذي كان إليه المرجع في علم القراءات كما يقول ابن الجزري، وقد صنّف أستاذه كتابًا في القراءات السبع، وقد شرحه الإمام أبو علي الفارسي في كتاب عنونه بـ"الحُجّة"، ثم اختصر هذا الشرح أبو طاهر إسماعيل بن خلف الأندلسي. وإذا كان أبو علي الفارسي تصدى لشرح كتاب ابن مجاهد، فليس بدعًا أن يتولاه أيضًا تلميذه "ابن خالويه" بالشرح، وخاصة أن بينه وبين أبي علي الفارسي منافسة علمية شديدة.
ولكن يُلاحظ أن ابن خالويه لم يُشر في مقدمته للكتاب بعنوان "الحُجّة"، ولكنه قال: "إني تدبّرتُ قراءة الأئمة السبعة من أهل الأمصار الخمسة المعروفين بصحة النقل وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية..." إلى أن يقول: "وأنا بعون الله ذاكر في كتابي هذا ما احتجّ به أهل صناعة النحو لهم في معاني اختلافهم."
وكتاب "الحُجّة" موقوف على القراءات وحدها في مجال الاحتجاج، ولا يتعرض لتفسير المعنى إلا في القليل النادر الذي قد يُعدّ على الأصابع، من ذلك مثلا وقوفه عند قوله تعالى: "مالك يوم الدين" {الفاتحة: 4}، قال: "قال أهل النحو: إن ملكًا أمدح من مالك، ذلك أن المالك قد يكون غير ملك، ولا يكون الملك إلا مالكًا."
أما منهج ابن خالويه في الكتاب فيتلخّص في:
اعتمد ابن خالويه على القراءات المشهورة وترك القراءات الشاذة، كما جنح إلى الاختصار غير المخلّ، وهو ما أشار إليه في المقدمة بقوله: "وقاصد قصد الإبانة في اقتصار من غير إطالة ولا إكثار." كما عرض ابن خالويه القراءات من غير سند الرواية، فلم ينسب القراءة إلى صاحبها إلا إذا دعت الضرورة لذلك، ربما بهدف الاختصار والإيجاز. وإذا عرض لمسألة وبيّن وجه التعليل فيها، ثم إذا تكرر نظيرها، فلا يعيد القول فيها، إنما يحيلنا إلى موضع قوله السابق.
ومال ابن خالويه إلى لغة أهل الحجاز، ففي قوله تعالى: "وزنوا بالقسطاس" {الإسراء: 5}، يقول: "تُقرأ بكسر القاف وضمّها، وهما لغتان فصيحتان، والضمّ أكثر لأنها لغة أهل الحجاز." وعلى الرغم من أن الرجل من أكابر اللغويين، فإنه لم يتعصّب لمدرسة نحوية على الأخرى، ولكنه كان متحررًا من الخلاف الكوفي-البصري. كما لم يتعرّض الرجل لإعراب الشواهد التي يحتجّ بها إلا نادرًا، كما كان يستشهد أحيانًا بالحديث النبوي لدعم قوله وصحة رأيه.
ويُلاحظ أيضًا أن بعض القراءات لم ترد إلا عن طريقه فقط، مثل قوله تعالى: "فله عشرُ أمثالِها" {الأنعام: 160}، قال: "تُقرأ بالتنوين ونصب الأمثال، وبطرحه والخفض، فالحُجّة لمن نصب: أن التنوين يمنع من الإضافة، والحجة لمن أضاف: أنه أراد فله عشر حسنات، فأقام الأمثال مقام الحسنات." وليس في كتب القراءات التي بين أيدينا إلا بحذف التنوين وجر اللام بالإضافة، وهي قراءة جميع القرّاء ما عدا الحسن البصري، فإنه يقرأ: "عشرٌ" بالتنوين، و*"أمثالها"* بالرفع، أما رواية النصب فلم نجدها إلا عند ابن خالويه.
ومن مميزات "الحُجّة" أيضًا أنه نسب قراءات إلى حفص لا وجود لها إلا عنده، كما في قوله تعالى: "بنُصب وعذاب" {ص: 41}، قال: "أجمع القرّاء على ضمّ النون، إلا ما رواه حفص عن عاصم بالفتح، وهما لغتان، ومعناهما: ما يُصيب البدن من تعب الضرّ وألم الوجع، ومعنى العذاب هاهنا: ذهاب المال والولد."
ويبقى كتاب "الحُجّة" واحدًا من أهم كتب القراءات القرآنية.
أما ابن خالويه فهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان، نشأ في همذان ووفد إلى بغداد، من أئمة اللغويين في عصره، ترك عددًا كبيرًا من المصنّفات منها: "إعراب ثلاثين سورة"، و*"ليس في كلام العرب"، و"الجُمل في النحو"، و"الاشتقاق"*، وغيرها، وتوفّي بحلب عام 370 هـ.



